ابراهيم بن محمد ابن عرب شاه الاسفرائيني

177

الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم

بالوصل ، والاقتراب ، فبعد اليوم أطلب البعد ليساعد في الدهر وأهله بالقرب والحضور ، أطلب حزن البعد لأفوز بالقرب والسرور . وعلى ما حققه الشيخ أنه كنى بطلب بعد الدار عن توطين النفس عليه والسين لمجرد التأكيد ، كأنه قال : إلى اليوم أطيب نفسي بالبعد وأحزانه ، وأشيد بناء الصبر الجميل بأركانه ، لأتسبب بذلك إلى وصل بتأبد ، ومسرة لا تنفد إلى الأبد ، فإن الصبر الجميل مفتاح الفرج ، مع الأجر الجزيل بلا حرج ، والأبلغ أن يجعل تسكب عطفا على أطلب فيكون تحت التأكيد ، والشارح المحقق صوب بهذا المعنى ، وجعل توجيه القوم تعسفا فاسد المبنى ، ولم يرض به المرتضى الشريف ، وقال : كلام القوم غير مستحق للتخطئة والتزييف ، فتصويب الشارح كتصويب من قال : الصواب أن الشاعر يعتذر إلى العشيقة في التشمر للسفر ليتوسل به إلى أسباب معاشرتها في الحصر ؛ إذ بالأموال يقتنص ظباء الغواني ، ويتمتع بالوصال ، وإلى مثل هذا المعنى أشار المتنبي حيث قال : [ لعلّ اللّه يجعله رحيلا * يعين على الإقامة في ذراكا ] " 1 " فلكل من المعاني وجهة هو موليها ، وقصد الشاعر موكول إليه ، غيره لا يجليها ، إذ لم يعرف أنه بصدد الظرافة أو في مقام إظهار الحكمة والكرامة ، أو كان التكلم بهذا المقال في مقام السفر والارتحال ، حتى يحكم بحقيقة الحال ، فلا محال إلا لاستيفاء الاحتمال ، ويمكن تقوية الشارح المحقق بأن ما يحتاج إلى معرفة حال الشاعر فالحق فيه متابعة السابق الماهر ، وهو الشيخ عبد القاهر الذي يغلب حسن الظن به ، ويقرب أن يكون حاله عليه الظاهر ، ومن الاحتمالات التي هي أبدر إلى الفهم ما خطر ببالي وهو أن الشاعر قصد إلى أن تحصيل المطالب بأن يكون في الاستغناء عنها كالهارب ، وترى نفسك عنه معرضا ، فتراه لك متعرضا ،

--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 2 / 335 ) ، من قصيدة قالها عند وداعه لعضد الدولة في أول شعبان سنة أربع وخمسين وثلاث مائة ، وهي آخر شعر قاله . ومطلعها : فدى لك من يقصّر عن مداكا * فلا ملك إذن إلا فداكا ولو قلنا فدى لك من يساوى * دعونا بالبقاء لمن قلاكا والذرا : الكنف ، لعل اللّه يجعل هذا الرحيل سببا للعودة فأقضي حوائجي ، وأعود للإقامة في كنفك .